الغش في الامتحانات

           إن الغـــــــــش ظاهرة اجتماعية خطيرة تطال قطاعات واسعة و من بينها قطاع التربية و التعليم  و لا ريب أن لهذه الـظاهرة أسبابها و يترتب عليها نتائج فما هي تلك الأسباب و ما هي  النتائج التي تنتج عنها ، و لمعالجة هذا الموضوع نقسمه إلى ثلاثة فصول فصل نعرف فيه الغش و أطراف الموضوع  ثم نبين مدى التناقض بين التربية و الغش ، و أما الفصل الثاني فنحاول أن نشخص فيه أسباب الغش و الفصل الثالث نستنتج فيه نتائج الغــــــش و نختم الموضوع بمقترحات لعلها تكون دواء لهذه العلة و بالله أستعين و أرجوا منه التوفيق و الإخلاص و السداد فهو ولي ذلك و القادر عليه

أولا / الغش في المدارس التربوية تعريف و بيان

 تعريف الغش : غش فلانا خدعه،  أظهر له خلاف ما أضمره  و زين له غير المصلحة ، غش في اللبن مذقه ، غش في اللعب :خالف قواعد اللعب ليربح

الغش : الخداع

و في القانون : الخداع المقرون بسوء النية ، و الغاش الذي يغش الناس ( مجاني الطالب ص695) و قال في النهاية في غريب الأثر غشش << من غشنا فليس منا >> الغش ضد النصح من الغشش و هو المشرب الكدر و قوله ليس منا أي ليس من أخلاقنا  و لا على سنتنا ( النهاية في غريب الأثر 3/369)

قلت : و من خالف قواعد الامتحان و الاختبار لينجح فقد غش

تعريف المدارس : جمع مدرسة و هو المكان المخصص للتدريس و طلب العلم

تعريف التربية : تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية انطلاقا من معطيات طبيعية و تكيفا له مع بيئة و مجتمع معينين << تلقى تربية حسنة >>، وهي علم و فن يعنيان بعملية التربيــة في معناها السابـــق و بأصول التعليم << أساليب في التربية  >> ( مجاني الطالب  مادة ربى)

ا) – بيان التناقض بين الغش و التربية

إذا كان المقصود من التربية تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية خلال أطوار التعليم ، و أن الامتحانات و الاختبارات و التقييمات الفصلية و السنوية تهدف إلى التعرف  على التلميذ أو الطالب الناجح من غيره في العملية التربوية من جانبها العقلي و الروحي و حتى البدني و لاكتشاف مدى تحصيل  التلميذ خلال أطواره التعليمة و التربوية أن تكون الوسيلة سليمة من كل العيوب  و هذه الوسيلة هي الامتحانات و الاختبارات .

إجراء  هذه الامتحانات في ظروف عادية و بشكل سليم و خلوها من العيوب سيتمخض عنها معرفة التلميذ الناجح و التلميذ الراسب و بتعبير آخر معرفة التلميذ المكتسب من غير المكتسب و بالتالي إعطاء كل ذي حق حقه ، وإن اعترى الاختبارات عيوبا ظاهرة و باطنة أصبح هذا الميزان فاسدا ينتج عنه نتائج مغلوطة و بالتالي يؤجر و يجازى من لا يستحق الأجر ويحرم صاحب الحق من حقه و هذا ظلم و ضيم و العياذ بالله   

ثانيا : أسباب الغش في الامتحانات

أرى أن أسباب الغش في الامتحانات كثيرة و متعددة و لعل من أهمها ما يلي :

1 – غياب الوازع الديني : أعتقد أن أول سبب لهذه الظاهرة غياب الوازع الديني و يندرج تحت هذا العنصر التالي :

 ا – اهتزاز عقيدة الإيمان بالقضاء و القدر

ب -  عدم مراقبة المولى عز وجل

ج – استعجال الثمرة

د – التواكل و عدم التوكل على الله

إن غياب الوازع الديني يرجع إلى عدم غرس العقيدة السليمة في قلوب و أفئدة الأجيال علما و عمــــــــــلا فالإيمان بالقضاء و القدر أصل من أصول الإيمان الواجب اعتقادها و الإخلال  بواحد منها إخلال بعقيدة التوحيد ، إن القضاء و القدر سر الله في الكون لم يطلع عليه ملك مقرب و لا نبي  مرسل ،فكان كذلك سرا لتطمئن نفس المؤمن << ما أخطأها لم يكن ليصيبها و ما أصابها لم يكن ليخطأها >>  و لو اجتمع الإنس و الجن على أن ينفعوها بشيء ما نفعوها إلا بشيء قد كتبه الله لها و لو اجتمع  الإنس والجن على أن يضروها  بشيء  ما أضروها إلا بشيء قد كتبه الله لها ، فكان سر الله عز وجل في  كونه سرا لتكسب كل نفس أعمالها فلها ماكسبت و عليها ما اكتسبت لو تزود طلابنا بهذه المعاني و اعتقدوا هذه الحقائق و أيقنوا بها لعلموا أن نجاحهم و رسوبهم في امتحاناتهم قدر و قضاء  و لنبذوا الغش من أجل تحقيق طموحاتهم ، و المسلم الكيس الفطن هو الذي يراقب الله جل و علا في السر  و العلن في الخلوة و في غيرها يحذر أن يتعدى  حدوده  ، و يخشى غضبه ، و يرجوا رحمته ، يسأله التوفيق في ما يصلح دينه ودنيـــاه و يستعين به في قضاء حوائجه المشروعة و اضعا نصب عينيه أن الخالق عز و جل يعلم ما تكنه الصدور ، و يرى ما يجنيه أو يقترفه العبد المغرور ،  يحرص على إرضاء الرحمن و لو أغضب الإنسان  فغضبهم لا يضره و رضاهم لا ينفعه ، موقنا أن الدنيا زائلة لا محال و ماهي إلا متاع الغرور .

إذا اعتقد  تلاميذ مدارسنا هذه المعاني و راقبوا ربهم في جميع تصرفاتهم حتى في امتحاناتهم ، رفعوا أكف الضراعة له  و سألوا منه التوفيق و المدد و الصواب في الجواب ، واستعانوا به ، فهو العليم يهدي إلى العلم من يشاء  برحمته و يبتلي من يشاء كما يبتلي الجاهل بجهله يبتلي العالم بعلمه ، و يبتلي الطالب بنجاحه كما يبتليه برسوبه ، سبحانه جل و علا ، و لا ينبغي للتلميذ استعجال الثمرة ، فعليه أن يجد و يجتهد في طلب العلم ، فطلبه غاية و حصولها تحتاج إلى تضحية غالية ، و هي : بذل الكل عسى أن يحظى الطالب بالشطر أو الجل ، فتوفر الأسباب في عقيدتنا لا يلزم منها حصول النتائج بالضرورة  ،  و من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، و لاحظت في الغالب الأعم أن التلاميذ جهلوا حقيقة التوكل على الله عز وجل و الذي يلزم منها توفير أسباب النجاح  عسى أن يتحقق المراد ، فتوكلوا على غيرهم و من توكل على الخلق تركه الله للخلق ، و المخلوق ضعيف بطبعه لا يستطيع أن يقدم ما أخره الله و لا أن يؤخر ما يقدمه الله إلا أن يشاء العليم الخبير

2 ) – عدم الإحساس بالمسؤولية إن التلميذ مسؤول عن أداء واجباته المدرسية و هذا ما يهمنا هنا و تتلخص تلك الواجبات في أداء وظائفه و إنجازها ، في كده و اجتهاده ، و تفاعله داخل الحجرة و في حـــرم المدرسة بإيجابية و احترامه  لشيخه و أستاذه ...........و التنصل من هذه المسؤوليات معناها أن التلميذ لم يحقق أسباب نجاحه أصلا  فضلا عن تفوقه ، و حتى الأساتذة مسؤولون أمام الله أولا ثم أمام المجتمع في أداء واجباتهم و تتلخص في الغالب الأعم في ما يلي :

- بذل كل ما بوسعهم في إيصال المعلومة للتلميذ في أبسط صورها

- تقيم التلاميذ با لاعتماد على سلم عادل

- إسداء النصح للتلاميذ

- شحن نفوس التلاميذ بالمعاني الروحية السامية

- تحقيق القدوة في أسمى صورها

- التخلي بالواقعية و المنطق السليم في الامتحانات و الاختبارات

- العدل بين التلاميذ

و التنصل من هذه المسؤوليات سيحط من قدْر الأستاذ في المجتمع بل و حتى في محيطه المدرسي

3 ) – تسمية الأشياء بغير مسمياتها و فهمها على غير حقيقتها : و هذا الإشكال يطرأ غالبا على المصطلحات فقد فهم الكثير من المسلمين أن الربا فائدة كما فهم الكثير من الأساتذة و التلاميذ أن الغش و سيلة  مشروعة و المساهمة فيها تعاون و هذا إما تجاهل أو جهل مركب ، فالتعاون نوعان : محمود و مذموم فالتعاون  على البر و التقوى محمود مرغب فيه كمساعدة التلميذ  على تخطي الصعاب و العوائق التي تصادفه خلال عملية التّعلم ، و مذموم كمساعدة التلميذ على الغش و سرقة المعلومة خلال  الامتحان ، و التعاون بين هذا و ذاك بينهما بون شاسع ، و فرق واضح ، لا يخفى على أصحاب العقول الصحيحة ، و الفطر السليمة

4 ) – ضعف همم التلاميذ

إن هذا المرض الخطير تفشى في أوساط التلاميذ فترتْ عزائمهم و ضعفت هممهم فتراهم إذا قاموا إلى الدراسة قاموا كسالى ، فانصب جل اهتمامهم حول تصليح الهنـــدام و تنميقه ، و مشط الشعر و تسريحه ، و تعطير الثوب و تلميع الحذاء و انساقوا يطلبون كل موضة هادفة ، و اســــــــتسلموا للراحة و الكسل و كل هذا لا ينبغي لطالب المعالي و قاصد المعارف و العلوم   فصاحبوا المقاهي و النوادي و تركوا المكاتب  والمكتبات  وراء ظهورهم فيا ليت شعري كيف يتعلم هؤلاء و كيف يخوضون غمار الامتحانات و الاختبارات  ..؟

5 ) – اعتقاد التلاميذ أن الغش حق و مطلب شرعي فانصب اهتمامهم لطلبه و تفننوا في استعمال كل و سيلة تطال أيديهم

6) – اعتقاد قاعدة الغاية تبرر الوسيلة

و هي قاعدة فلسفية خاطئة استعملها الشيوعيون و النازيون و الرأسماليون و الملحدون و الماديون في تحقيق مآربهم وطموحاتهم و أهدافهم الدنيوية ، و عندما اعتقد الكثير من التلاميذ أن كل الوسائل بغض النظر عن شرعيتها مباحة لتحقيق النجاح في الاختبار فتبنوا فكرة أعدائهم و ماثلوهم فيها و العياذ بالله

7 ) – تفشي الظاهرة في أكثر المدارس و في كل أرجاء الوطن و اعتقاد أن تفشي الظاهر مبرر يشرع عملية الغش

8 ) – انتشار و سائل الاتصال و سهولة الحصول عليها و بالتالي استعمالها في عملية الغش

9) -  عدم كفاءة المتر شح و شعوره بعدم القدرة على إجراء الامتحان دون الالتجاء للغش

10) – عدم كفاءة بعض الأساتذة و تمكنهم من تخصصاتهم مما يؤدي إلى التقصير في إعطاء المعلومة للتلميذ ، و تأهيله لإجراء الامتحانات المصيرية و خوف الكثير من لأساتذة الحراس من الاعتداء عليهم خارج أو داخل الحرم المدرسي

11)- انتقال التلميذ من طور إلى طور دون استفاء المعلومات التي يفترض أن يهضمها في الطور السابق و هكذا يتراكم هذا الفراغ العلمي إلى المرحلة النهائية حيث يجد التلميذ نفسه أمام مشكلة عدم اكتساب الآليات المؤهلة لإجراء الامتحانات .

ثالثا –  نتائج الغش في المدارس التعليمية

1- ينتج عن هذه العملية المرضية  و الجريمة الأخلاقية تخرج إطارات  في مختلف التخصصات دون مؤهل علمي كاف أي : عدم الكفاءة المهنية

2- إيهام الإطارات المتخرجة المجتمع أنهم حملة شهادات  علمية و هذا عين التدليس

3- عدم إتقان الإطارات المتخرجة لمهامها المهنية المنوطة بها

4- تقهقر عجلة التنمية في جميع المجالات

5- استعمال هؤلاء الغش في سائر حياتهم العملية

6- لعنة الغش المستمرة على الغاش خلال مسيرته التكوينية و المهنية مما يؤثر سلبا على نفسيته و يشعره بالإحباط

7- تعسر الطالب خلال مشواره الجامعي

الخاتمة :

 

 من خلال هذه الجولة في هذا الموضوع يمكن أن نستشف ما يلي

أ – الغاش في الامتحانات مقترف لجريمة خطيرة ، كما أن الغش خلق ذميم ليس من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم و لا من سنته << فمن غشنا فليس منا >>  الحديث

ب – الأساتذة و المعلمون المساعدون على الغش مشاركون فيه و سيشاركونهم إثمهم ، وهـــــــــم يتعاونـــون  على الإثـــــم و العدون و الله يقول : << و لا تعاونوا على الإثم و العدوان >>  

ج – الأساتذة و المعلمون  المساعدون على الغش يشهدون شهادة الزور أثناء تسليمهم لإجابات التلاميذ و مصادقتهم على محضر التسليم  و  بالضبط عند قولهم :  <<  جرى الامتحان بشكل عادي >> و النبي صلى الله عليه و سلم يحذر من شهادة الزور حيث يقول : << لن تزول قدما  شاهد الزور يوم القيامة حتى يوجب الله له النار >> و يقول أيضا << ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله و عقوق الوالدين ألا و قــول الزور ألا و شهادة  الزور >> فـمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت و ربنا العلي المتعال يقول : << و اجتنبوا قول الزور >>  و نحن نملك هذه النصوص القرآنية الربانية و الأحاديث النبوية ليس لنا عذر و لا حجة إلا أن نسلم لله و رسوله صلى الله عليه وسلم 

مقترحات:

 أقترح في الأخير أدوية لهذه العلة فأقول :

1-   نبغي على أئمة المساجد في مساجدهم و مدارسهم القرآنية و الأساتذة و المعلمون في مدارسهم النظامية و الآباء و الأمهات في منازلهم  أن يشحذوا همم التلاميذ و يغرسوا فيهم الشعور بالمسؤولية و حب العلم و أهله ، كما يجب عليهم أن يغرسوا فيهم قيم الدين و تعاليمه السمحة و خاصة فيما يخص آداب المتعلم و طاعة المعلم و الحرص على نيل العلم

2-   يجب أن يطلب العلم لله و إنما الوظيفة و المال تحصيل حاصل

3-   اهتمام الأساتذة بتوعية التلاميذ عن طريق القدوة فلا ينبغي أن يكون الأستاذ غشاشا  و لا كذابا و لا سارقا و لا .............من الآداب المذمومة ليحث تلاميذه على الصدق و عدم الغش و الاحتيال ...

4-   يجب على الدولة توظيف أساتذة أكفاء في تخصصاتهم

5-   تكريم التلاميذ النجباء لعل هذا يكون سببا في استيقاظ همم التلاميذ الأقل اكتسابا

6-   المراجعة الجماعية خارج المدارس فهي سبب في تفتق الأذهان و تبادل المعارف

7-   و ضع الأشياء في نصابها و تسميتها بمسمياتها فالبيع بيع و الربا ربا و الغش غش

8-   يجب على المجتمع إنكار المنكر حسب التدرج و القدرة بشروطه  قال رسول الله صلى الله  عليه و سلم : << من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف  الإيمان  >> و لا شك أن الغش و المساهمة فيه منكر من المناكر.

9-   حماية الأساتذة الحراس من الاعتداءات خارج و داخل الحرم المدرسي و إنزال أقصى العقوبات على من تسول له نفسه عمل هذا الصنيع

توثيق :

سألت عن سؤال مضمونه ما حكم المال الذي يجنيه عامل تحصل عـن وظيفته بسبب شهادات تحصل عليها عن طريق الغش و الاحتيال ؟

فأجاب الشيخ عبد الرحمن باعموري بما يلي : إن أتقن عمله سلم

و أجاب شيخنا الدكتور عبد الحليم قابة ما مضمونه : إن المسألة يصعب معالجتـــــــــها و يجب عليه أن يتقن عمله و يؤدي و ظيفته كما ينبغي و يتوب إلى الله و يتصدق ببعض المال الذي يجنيه

و أجاب الشيخ ناصر أحمد مفتش الشؤون الدينية بعين صالح : مادام العمل مشروعا فالكسب منه حلالا طيبا إن أداه كما يجب و أما الطريق التي توصل بها إلى ذلك العمل غير مشروع و تلزم منه توبة و ذلك الا يستعمل تلك الشهادة فيما تبقى من عمره و إن استطاع أن يتحصل عليها مرة أخرى بالطريق المشروع فحسن         

قلت و أنى للغاش و المحتال أن يتقن عمله و إن كان ذلك ممكنا و التوبة لازمة على الغاش و من ساعده ويسر له سبل الغش و الله يتوب على من تاب هذا و إن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

 

 

 

 

إن الغـــــــــش ظاهرة اجتماعية خطيرة تطال قطاعات واسعة و من بينها قطاع التربية و التعليم  و لا ريب أن لهذه الـظاهرة أسبابها و يترتب عليها نتائج فما هي تلك الأسباب و ما هي  النتائج التي تنتج عنها ، و لمعالجة هذا الموضوع نقسمه إلى ثلاثة فصول فصل نعرف فيه الغش و أطراف الموضوع  ثم نبين مدى التناقض بين التربية و الغش ، و أما الفصل الثاني فنحاول أن نشخص فيه أسباب الغش و الفصل الثالث نستنتج فيه نتائج الغــــــش و نختم الموضوع بمقترحات لعلها تكون دواء لهذه العلة و بالله أستعين و أرجوا منه التوفيق و الإخلاص و السداد فهو ولي ذلك و القادر عليه

أولا / الغش في المدارس التربوية تعريف و بيان

 تعريف الغش : غش فلانا خدعه،  أظهر له خلاف ما أضمره  و زين له غير المصلحة ، غش في اللبن مذقه ، غش في اللعب :خالف قواعد اللعب ليربح

الغش : الخداع

و في القانون : الخداع المقرون بسوء النية ، و الغاش الذي يغش الناس ( مجاني الطالب ص695) و قال في النهاية في غريب الأثر غشش << من غشنا فليس منا >> الغش ضد النصح من الغشش و هو المشرب الكدر و قوله ليس منا أي ليس من أخلاقنا  و لا على سنتنا ( النهاية في غريب الأثر 3/369)

قلت : و من خالف قواعد الامتحان و الاختبار لينجح فقد غش

تعريف المدارس : جمع مدرسة و هو المكان المخصص للتدريس و طلب العلم

تعريف التربية : تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية انطلاقا من معطيات طبيعية و تكيفا له مع بيئة و مجتمع معينين << تلقى تربية حسنة >>، وهي علم و فن يعنيان بعملية التربيــة في معناها السابـــق و بأصول التعليم << أساليب في التربية  >> ( مجاني الطالب  مادة ربى)

ا) – بيان التناقض بين الغش و التربية

إذا كان المقصود من التربية تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية خلال أطوار التعليم ، و أن الامتحانات و الاختبارات و التقييمات الفصلية و السنوية تهدف إلى التعرف  على التلميذ أو الطالب الناجح من غيره في العملية التربوية من جانبها العقلي و الروحي و حتى البدني و لاكتشاف مدى تحصيل  التلميذ خلال أطواره التعليمة و التربوية أن تكون الوسيلة سليمة من كل العيوب  و هذه الوسيلة هي الامتحانات و الاختبارات .

إجراء  هذه الامتحانات في ظروف عادية و بشكل سليم و خلوها من العيوب سيتمخض عنها معرفة التلميذ الناجح و التلميذ الراسب و بتعبير آخر معرفة التلميذ المكتسب من غير المكتسب و بالتالي إعطاء كل ذي حق حقه ، وإن اعترى الاختبارات عيوبا ظاهرة و باطنة أصبح هذا الميزان فاسدا ينتج عنه نتائج مغلوطة و بالتالي يؤجر و يجازى من لا يستحق الأجر ويحرم صاحب الحق من حقه و هذا ظلم و ضيم و العياذ بالله   

ثانيا : أسباب الغش في الامتحانات

أرى أن أسباب الغش في الامتحانات كثيرة و متعددة و لعل من أهمها ما يلي :

1 – غياب الوازع الديني : أعتقد أن أول سبب لهذه الظاهرة غياب الوازع الديني و يندرج تحت هذا العنصر التالي :

 ا – اهتزاز عقيدة الإيمان بالقضاء و القدر

ب -  عدم مراقبة المولى عز وجل

ج – استعجال الثمرة

د – التواكل و عدم التوكل على الله

إن غياب الوازع الديني يرجع إلى عدم غرس العقيدة السليمة في قلوب و أفئدة الأجيال علما و عمــــــــــلا فالإيمان بالقضاء و القدر أصل من أصول الإيمان الواجب اعتقادها و الإخلال  بواحد منها إخلال بعقيدة التوحيد ، إن القضاء و القدر سر الله في الكون لم يطلع عليه ملك مقرب و لا نبي  مرسل ،فكان كذلك سرا لتطمئن نفس المؤمن << ما أخطأها لم يكن ليصيبها و ما أصابها لم يكن ليخطأها >>  و لو اجتمع الإنس و الجن على أن ينفعوها بشيء ما نفعوها إلا بشيء قد كتبه الله لها و لو اجتمع  الإنس والجن على أن يضروها  بشيء  ما أضروها إلا بشيء قد كتبه الله لها ، فكان سر الله عز وجل في  كونه سرا لتكسب كل نفس أعمالها فلها ماكسبت و عليها ما اكتسبت لو تزود طلابنا بهذه المعاني و اعتقدوا هذه الحقائق و أيقنوا بها لعلموا أن نجاحهم و رسوبهم في امتحاناتهم قدر و قضاء  و لنبذوا الغش من أجل تحقيق طموحاتهم ، و المسلم الكيس الفطن هو الذي يراقب الله جل و علا في السر  و العلن في الخلوة و في غيرها يحذر أن يتعدى  حدوده  ، و يخشى غضبه ، و يرجوا رحمته ، يسأله التوفيق في ما يصلح دينه ودنيـــاه و يستعين به في قضاء حوائجه المشروعة و اضعا نصب عينيه أن الخالق عز و جل يعلم ما تكنه الصدور ، و يرى ما يجنيه أو يقترفه العبد المغرور ،  يحرص على إرضاء الرحمن و لو أغضب الإنسان  فغضبهم لا يضره و رضاهم لا ينفعه ، موقنا أن الدنيا زائلة لا محال و ماهي إلا متاع الغرور .

إذا اعتقد  تلاميذ مدارسنا هذه المعاني و راقبوا ربهم في جميع تصرفاتهم حتى في امتحاناتهم ، رفعوا أكف الضراعة له  و سألوا منه التوفيق و المدد و الصواب في الجواب ، واستعانوا به ، فهو العليم يهدي إلى العلم من يشاء  برحمته و يبتلي من يشاء كما يبتلي الجاهل بجهله يبتلي العالم بعلمه ، و يبتلي الطالب بنجاحه كما يبتليه برسوبه ، سبحانه جل و علا ، و لا ينبغي للتلميذ استعجال الثمرة ، فعليه أن يجد و يجتهد في طلب العلم ، فطلبه غاية و حصولها تحتاج إلى تضحية غالية ، و هي : بذل الكل عسى أن يحظى الطالب بالشطر أو الجل ، فتوفر الأسباب في عقيدتنا لا يلزم منها حصول النتائج بالضرورة  ،  و من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، و لاحظت في الغالب الأعم أن التلاميذ جهلوا حقيقة التوكل على الله عز وجل و الذي يلزم منها توفير أسباب النجاح  عسى أن يتحقق المراد ، فتوكلوا على غيرهم و من توكل على الخلق تركه الله للخلق ، و المخلوق ضعيف بطبعه لا يستطيع أن يقدم ما أخره الله و لا أن يؤخر ما يقدمه الله إلا أن يشاء العليم الخبير

2 ) – عدم الإحساس بالمسؤولية إن التلميذ مسؤول عن أداء واجباته المدرسية و هذا ما يهمنا هنا و تتلخص تلك الواجبات في أداء وظائفه و إنجازها ، في كده و اجتهاده ، و تفاعله داخل الحجرة و في حـــرم المدرسة بإيجابية و احترامه  لشيخه و أستاذه ...........و التنصل من هذه المسؤوليات معناها أن التلميذ لم يحقق أسباب نجاحه أصلا  فضلا عن تفوقه ، و حتى الأساتذة مسؤولون أمام الله أولا ثم أمام المجتمع في أداء واجباتهم و تتلخص في الغالب الأعم في ما يلي :

- بذل كل ما بوسعهم في إيصال المعلومة للتلميذ في أبسط صورها

- تقيم التلاميذ با لاعتماد على سلم عادل

- إسداء النصح للتلاميذ

- شحن نفوس التلاميذ بالمعاني الروحية السامية

- تحقيق القدوة في أسمى صورها

- التخلي بالواقعية و المنطق السليم في الامتحانات و الاختبارات

- العدل بين التلاميذ

و التنصل من هذه المسؤوليات سيحط من قدْر الأستاذ في المجتمع بل و حتى في محيطه المدرسي

3 ) – تسمية الأشياء بغير مسمياتها و فهمها على غير حقيقتها : و هذا الإشكال يطرأ غالبا على المصطلحات فقد فهم الكثير من المسلمين أن الربا فائدة كما فهم الكثير من الأساتذة و التلاميذ أن الغش و سيلة  مشروعة و المساهمة فيها تعاون و هذا إما تجاهل أو جهل مركب ، فالتعاون نوعان : محمود و مذموم فالتعاون  على البر و التقوى محمود مرغب فيه كمساعدة التلميذ  على تخطي الصعاب و العوائق التي تصادفه خلال عملية التّعلم ، و مذموم كمساعدة التلميذ على الغش و سرقة المعلومة خلال  الامتحان ، و التعاون بين هذا و ذاك بينهما بون شاسع ، و فرق واضح ، لا يخفى على أصحاب العقول الصحيحة ، و الفطر السليمة

4 ) – ضعف همم التلاميذ

إن هذا المرض الخطير تفشى في أوساط التلاميذ فترتْ عزائمهم و ضعفت هممهم فتراهم إذا قاموا إلى الدراسة قاموا كسالى ، فانصب جل اهتمامهم حول تصليح الهنـــدام و تنميقه ، و مشط الشعر و تسريحه ، و تعطير الثوب و تلميع الحذاء و انساقوا يطلبون كل موضة هادفة ، و اســــــــتسلموا للراحة و الكسل و كل هذا لا ينبغي لطالب المعالي و قاصد المعارف و العلوم   فصاحبوا المقاهي و النوادي و تركوا المكاتب  والمكتبات  وراء ظهورهم فيا ليت شعري كيف يتعلم هؤلاء و كيف يخوضون غمار الامتحانات و الاختبارات  ..؟

5 ) – اعتقاد التلاميذ أن الغش حق و مطلب شرعي فانصب اهتمامهم لطلبه و تفننوا في استعمال كل و سيلة تطال أيديهم

6) – اعتقاد قاعدة الغاية تبرر الوسيلة

و هي قاعدة فلسفية خاطئة استعملها الشيوعيون و النازيون و الرأسماليون و الملحدون و الماديون في تحقيق مآربهم وطموحاتهم و أهدافهم الدنيوية ، و عندما اعتقد الكثير من التلاميذ أن كل الوسائل بغض النظر عن شرعيتها مباحة لتحقيق النجاح في الاختبار فتبنوا فكرة أعدائهم و ماثلوهم فيها و العياذ بالله

7 ) – تفشي الظاهرة في أكثر المدارس و في كل أرجاء الوطن و اعتقاد أن تفشي الظاهر مبرر يشرع عملية الغش

8 ) – انتشار و سائل الاتصال و سهولة الحصول عليها و بالتالي استعمالها في عملية الغش

9) -  عدم كفاءة المتر شح و شعوره بعدم القدرة على إجراء الامتحان دون الالتجاء للغش

10) – عدم كفاءة بعض الأساتذة و تمكنهم من تخصصاتهم مما يؤدي إلى التقصير في إعطاء المعلومة للتلميذ ، و تأهيله لإجراء الامتحانات المصيرية و خوف الكثير من لأساتذة الحراس من الاعتداء عليهم خارج أو داخل الحرم المدرسي

11)- انتقال التلميذ من طور إلى طور دون استفاء المعلومات التي يفترض أن يهضمها في الطور السابق و هكذا يتراكم هذا الفراغ العلمي إلى المرحلة النهائية حيث يجد التلميذ نفسه أمام مشكلة عدم اكتساب الآليات المؤهلة لإجراء الامتحانات .

ثالثا –  نتائج الغش في المدارس التعليمية

1- ينتج عن هذه العملية المرضية  و الجريمة الأخلاقية تخرج إطارات  في مختلف التخصصات دون مؤهل علمي كاف أي : عدم الكفاءة المهنية

2- إيهام الإطارات المتخرجة المجتمع أنهم حملة شهادات  علمية و هذا عين التدليس

3- عدم إتقان الإطارات المتخرجة لمهامها المهنية المنوطة بها

4- تقهقر عجلة التنمية في جميع المجالات

5- استعمال هؤلاء الغش في سائر حياتهم العملية

6- لعنة الغش المستمرة على الغاش خلال مسيرته التكوينية و المهنية مما يؤثر سلبا على نفسيته و يشعره بالإحباط

7- تعسر الطالب خلال مشواره الجامعي

الخاتمة :

 

 من خلال هذه الجولة في هذا الموضوع يمكن أن نستشف ما يلي

أ – الغاش في الامتحانات مقترف لجريمة خطيرة ، كما أن الغش خلق ذميم ليس من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم و لا من سنته << فمن غشنا فليس منا >>  الحديث

ب – الأساتذة و المعلمون المساعدون على الغش مشاركون فيه و سيشاركونهم إثمهم ، وهـــــــــم يتعاونـــون  على الإثـــــم و العدون و الله يقول : << و لا تعاونوا على الإثم و العدوان >>  

ج – الأساتذة و المعلمون  المساعدون على الغش يشهدون شهادة الزور أثناء تسليمهم لإجابات التلاميذ و مصادقتهم على محضر التسليم  و  بالضبط عند قولهم :  <<  جرى الامتحان بشكل عادي >> و النبي صلى الله عليه و سلم يحذر من شهادة الزور حيث يقول : << لن تزول قدما  شاهد الزور يوم القيامة حتى يوجب الله له النار >> و يقول أيضا << ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله و عقوق الوالدين ألا و قــول الزور ألا و شهادة  الزور >> فـمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت و ربنا العلي المتعال يقول : << و اجتنبوا قول الزور >>  و نحن نملك هذه النصوص القرآنية الربانية و الأحاديث النبوية ليس لنا عذر و لا حجة إلا أن نسلم لله و رسوله صلى الله عليه وسلم 

مقترحات:

 أقترح في الأخير أدوية لهذه العلة فأقول :

1-   نبغي على أئمة المساجد في مساجدهم و مدارسهم القرآنية و الأساتذة و المعلمون في مدارسهم النظامية و الآباء و الأمهات في منازلهم  أن يشحذوا همم التلاميذ و يغرسوا فيهم الشعور بالمسؤولية و حب العلم و أهله ، كما يجب عليهم أن يغرسوا فيهم قيم الدين و تعاليمه السمحة و خاصة فيما يخص آداب المتعلم و طاعة المعلم و الحرص على نيل العلم

2-   يجب أن يطلب العلم لله و إنما الوظيفة و المال تحصيل حاصل

3-   اهتمام الأساتذة بتوعية التلاميذ عن طريق القدوة فلا ينبغي أن يكون الأستاذ غشاشا  و لا كذابا و لا سارقا و لا .............من الآداب المذمومة ليحث تلاميذه على الصدق و عدم الغش و الاحتيال ...

4-   يجب على الدولة توظيف أساتذة أكفاء في تخصصاتهم

5-   تكريم التلاميذ النجباء لعل هذا يكون سببا في استيقاظ همم التلاميذ الأقل اكتسابا

6-   المراجعة الجماعية خارج المدارس فهي سبب في تفتق الأذهان و تبادل المعارف

7-   و ضع الأشياء في نصابها و تسميتها بمسمياتها فالبيع بيع و الربا ربا و الغش غش

8-   يجب على المجتمع إنكار المنكر حسب التدرج و القدرة بشروطه  قال رسول الله صلى الله  عليه و سلم : << من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف  الإيمان  >> و لا شك أن الغش و المساهمة فيه منكر من المناكر.

9-   حماية الأساتذة الحراس من الاعتداءات خارج و داخل الحرم المدرسي و إنزال أقصى العقوبات على من تسول له نفسه عمل هذا الصنيع

توثيق :

سألت عن سؤال مضمونه ما حكم المال الذي يجنيه عامل تحصل عـن وظيفته بسبب شهادات تحصل عليها عن طريق الغش و الاحتيال ؟

فأجاب الشيخ عبد الرحمن باعموري بما يلي : إن أتقن عمله سلم

و أجاب شيخنا الدكتور عبد الحليم قابة ما مضمونه : إن المسألة يصعب معالجتـــــــــها و يجب عليه أن يتقن عمله و يؤدي و ظيفته كما ينبغي و يتوب إلى الله و يتصدق ببعض المال الذي يجنيه

و أجاب الشيخ ناصر أحمد مفتش الشؤون الدينية بعين صالح : مادام العمل مشروعا فالكسب منه حلالا طيبا إن أداه كما يجب و أما الطريق التي توصل بها إلى ذلك العمل غير مشروع و تلزم منه توبة و ذلك الا يستعمل تلك الشهادة فيما تبقى من عمره و إن استطاع أن يتحصل عليها مرة أخرى بالطريق المشروع فحسن         

قلت و أنى للغاش و المحتال أن يتقن عمله و إن كان ذلك ممكنا و التوبة لازمة على الغاش و من ساعده ويسر له سبل الغش و الله يتوب على من تاب هذا و إن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

 

 

 

 

 إن الغـــــــــش ظاهرة اجتماعية خطيرة تطال قطاعات واسعة و من بينها قطاع التربية و التعليم  و لا ريب أن لهذه الـظاهرة أسبابها و يترتب عليها نتائج فما هي تلك الأسباب و ما هي  النتائج التي تنتج عنها ، و لمعالجة هذا الموضوع نقسمه إلى ثلاثة فصول فصل نعرف فيه الغش و أطراف الموضوع  ثم نبين مدى التناقض بين التربية و الغش ، و أما الفصل الثاني فنحاول أن نشخص فيه أسباب الغش و الفصل الثالث نستنتج فيه نتائج الغــــــش و نختم الموضوع بمقترحات لعلها تكون دواء لهذه العلة و بالله أستعين و أرجوا منه التوفيق و الإخلاص و السداد فهو ولي ذلك و القادر عليه

أولا / الغش في المدارس التربوية تعريف و بيان

 تعريف الغش : غش فلانا خدعه،  أظهر له خلاف ما أضمره  و زين له غير المصلحة ، غش في اللبن مذقه ، غش في اللعب :خالف قواعد اللعب ليربح

الغش : الخداع

و في القانون : الخداع المقرون بسوء النية ، و الغاش الذي يغش الناس ( مجاني الطالب ص695) و قال في النهاية في غريب الأثر غشش << من غشنا فليس منا >> الغش ضد النصح من الغشش و هو المشرب الكدر و قوله ليس منا أي ليس من أخلاقنا  و لا على سنتنا ( النهاية في غريب الأثر 3/369)

قلت : و من خالف قواعد الامتحان و الاختبار لينجح فقد غش

تعريف المدارس : جمع مدرسة و هو المكان المخصص للتدريس و طلب العلم

تعريف التربية : تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية انطلاقا من معطيات طبيعية و تكيفا له مع بيئة و مجتمع معينين << تلقى تربية حسنة >>، وهي علم و فن يعنيان بعملية التربيــة في معناها السابـــق و بأصول التعليم << أساليب في التربية  >> ( مجاني الطالب  مادة ربى)

ا) – بيان التناقض بين الغش و التربية

إذا كان المقصود من التربية تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية خلال أطوار التعليم ، و أن الامتحانات و الاختبارات و التقييمات الفصلية و السنوية تهدف إلى التعرف  على التلميذ أو الطالب الناجح من غيره في العملية التربوية من جانبها العقلي و الروحي و حتى البدني و لاكتشاف مدى تحصيل  التلميذ خلال أطواره التعليمة و التربوية أن تكون الوسيلة سليمة من كل العيوب  و هذه الوسيلة هي الامتحانات و الاختبارات .

إجراء  هذه الامتحانات في ظروف عادية و بشكل سليم و خلوها من العيوب سيتمخض عنها معرفة التلميذ الناجح و التلميذ الراسب و بتعبير آخر معرفة التلميذ المكتسب من غير المكتسب و بالتالي إعطاء كل ذي حق حقه ، وإن اعترى الاختبارات عيوبا ظاهرة و باطنة أصبح هذا الميزان فاسدا ينتج عنه نتائج مغلوطة و بالتالي يؤجر و يجازى من لا يستحق الأجر ويحرم صاحب الحق من حقه و هذا ظلم و ضيم و العياذ بالله   

ثانيا : أسباب الغش في الامتحانات

أرى أن أسباب الغش في الامتحانات كثيرة و متعددة و لعل من أهمها ما يلي :

1 – غياب الوازع الديني : أعتقد أن أول سبب لهذه الظاهرة غياب الوازع الديني و يندرج تحت هذا العنصر التالي :

 ا – اهتزاز عقيدة الإيمان بالقضاء و القدر

ب -  عدم مراقبة المولى عز وجل

ج – استعجال الثمرة

د – التواكل و عدم التوكل على الله

إن غياب الوازع الديني يرجع إلى عدم غرس العقيدة السليمة في قلوب و أفئدة الأجيال علما و عمــــــــــلا فالإيمان بالقضاء و القدر أصل من أصول الإيمان الواجب اعتقادها و الإخلال  بواحد منها إخلال بعقيدة التوحيد ، إن القضاء و القدر سر الله في الكون لم يطلع عليه ملك مقرب و لا نبي  مرسل ،فكان كذلك سرا لتطمئن نفس المؤمن << ما أخطأها لم يكن ليصيبها و ما أصابها لم يكن ليخطأها >>  و لو اجتمع الإنس و الجن على أن ينفعوها بشيء ما نفعوها إلا بشيء قد كتبه الله لها و لو اجتمع  الإنس والجن على أن يضروها  بشيء  ما أضروها إلا بشيء قد كتبه الله لها ، فكان سر الله عز وجل في  كونه سرا لتكسب كل نفس أعمالها فلها ماكسبت و عليها ما اكتسبت لو تزود طلابنا بهذه المعاني و اعتقدوا هذه الحقائق و أيقنوا بها لعلموا أن نجاحهم و رسوبهم في امتحاناتهم قدر و قضاء  و لنبذوا الغش من أجل تحقيق طموحاتهم ، و المسلم الكيس الفطن هو الذي يراقب الله جل و علا في السر  و العلن في الخلوة و في غيرها يحذر أن يتعدى  حدوده  ، و يخشى غضبه ، و يرجوا رحمته ، يسأله التوفيق في ما يصلح دينه ودنيـــاه و يستعين به في قضاء حوائجه المشروعة و اضعا نصب عينيه أن الخالق عز و جل يعلم ما تكنه الصدور ، و يرى ما يجنيه أو يقترفه العبد المغرور ،  يحرص على إرضاء الرحمن و لو أغضب الإنسان  فغضبهم لا يضره و رضاهم لا ينفعه ، موقنا أن الدنيا زائلة لا محال و ماهي إلا متاع الغرور .

إذا اعتقد  تلاميذ مدارسنا هذه المعاني و راقبوا ربهم في جميع تصرفاتهم حتى في امتحاناتهم ، رفعوا أكف الضراعة له  و سألوا منه التوفيق و المدد و الصواب في الجواب ، واستعانوا به ، فهو العليم يهدي إلى العلم من يشاء  برحمته و يبتلي من يشاء كما يبتلي الجاهل بجهله يبتلي العالم بعلمه ، و يبتلي الطالب بنجاحه كما يبتليه برسوبه ، سبحانه جل و علا ، و لا ينبغي للتلميذ استعجال الثمرة ، فعليه أن يجد و يجتهد في طلب العلم ، فطلبه غاية و حصولها تحتاج إلى تضحية غالية ، و هي : بذل الكل عسى أن يحظى الطالب بالشطر أو الجل ، فتوفر الأسباب في عقيدتنا لا يلزم منها حصول النتائج بالضرورة  ،  و من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، و لاحظت في الغالب الأعم أن التلاميذ جهلوا حقيقة التوكل على الله عز وجل و الذي يلزم منها توفير أسباب النجاح  عسى أن يتحقق المراد ، فتوكلوا على غيرهم و من توكل على الخلق تركه الله للخلق ، و المخلوق ضعيف بطبعه لا يستطيع أن يقدم ما أخره الله و لا أن يؤخر ما يقدمه الله إلا أن يشاء العليم الخبير

2 ) – عدم الإحساس بالمسؤولية إن التلميذ مسؤول عن أداء واجباته المدرسية و هذا ما يهمنا هنا و تتلخص تلك الواجبات في أداء وظائفه و إنجازها ، في كده و اجتهاده ، و تفاعله داخل الحجرة و في حـــرم المدرسة بإيجابية و احترامه  لشيخه و أستاذه ...........و التنصل من هذه المسؤوليات معناها أن التلميذ لم يحقق أسباب نجاحه أصلا  فضلا عن تفوقه ، و حتى الأساتذة مسؤولون أمام الله أولا ثم أمام المجتمع في أداء واجباتهم و تتلخص في الغالب الأعم في ما يلي :

- بذل كل ما بوسعهم في إيصال المعلومة للتلميذ في أبسط صورها

- تقيم التلاميذ با لاعتماد على سلم عادل

- إسداء النصح للتلاميذ

- شحن نفوس التلاميذ بالمعاني الروحية السامية

- تحقيق القدوة في أسمى صورها

- التخلي بالواقعية و المنطق السليم في الامتحانات و الاختبارات

- العدل بين التلاميذ

و التنصل من هذه المسؤوليات سيحط من قدْر الأستاذ في المجتمع بل و حتى في محيطه المدرسي

3 ) – تسمية الأشياء بغير مسمياتها و فهمها على غير حقيقتها : و هذا الإشكال يطرأ غالبا على المصطلحات فقد فهم الكثير من المسلمين أن الربا فائدة كما فهم الكثير من الأساتذة و التلاميذ أن الغش و سيلة  مشروعة و المساهمة فيها تعاون و هذا إما تجاهل أو جهل مركب ، فالتعاون نوعان : محمود و مذموم فالتعاون  على البر و التقوى محمود مرغب فيه كمساعدة التلميذ  على تخطي الصعاب و العوائق التي تصادفه خلال عملية التّعلم ، و مذموم كمساعدة التلميذ على الغش و سرقة المعلومة خلال  الامتحان ، و التعاون بين هذا و ذاك بينهما بون شاسع ، و فرق واضح ، لا يخفى على أصحاب العقول الصحيحة ، و الفطر السليمة

4 ) – ضعف همم التلاميذ

إن هذا المرض الخطير تفشى في أوساط التلاميذ فترتْ عزائمهم و ضعفت هممهم فتراهم إذا قاموا إلى الدراسة قاموا كسالى ، فانصب جل اهتمامهم حول تصليح الهنـــدام و تنميقه ، و مشط الشعر و تسريحه ، و تعطير الثوب و تلميع الحذاء و انساقوا يطلبون كل موضة هادفة ، و اســــــــتسلموا للراحة و الكسل و كل هذا لا ينبغي لطالب المعالي و قاصد المعارف و العلوم   فصاحبوا المقاهي و النوادي و تركوا المكاتب  والمكتبات  وراء ظهورهم فيا ليت شعري كيف يتعلم هؤلاء و كيف يخوضون غمار الامتحانات و الاختبارات  ..؟

5 ) – اعتقاد التلاميذ أن الغش حق و مطلب شرعي فانصب اهتمامهم لطلبه و تفننوا في استعمال كل و سيلة تطال أيديهم

6) – اعتقاد قاعدة الغاية تبرر الوسيلة

و هي قاعدة فلسفية خاطئة استعملها الشيوعيون و النازيون و الرأسماليون و الملحدون و الماديون في تحقيق مآربهم وطموحاتهم و أهدافهم الدنيوية ، و عندما اعتقد الكثير من التلاميذ أن كل الوسائل بغض النظر عن شرعيتها مباحة لتحقيق النجاح في الاختبار فتبنوا فكرة أعدائهم و ماثلوهم فيها و العياذ بالله

7 ) – تفشي الظاهرة في أكثر المدارس و في كل أرجاء الوطن و اعتقاد أن تفشي الظاهر مبرر يشرع عملية الغش

8 ) – انتشار و سائل الاتصال و سهولة الحصول عليها و بالتالي استعمالها في عملية الغش

9) -  عدم كفاءة المتر شح و شعوره بعدم القدرة على إجراء الامتحان دون الالتجاء للغش

10) – عدم كفاءة بعض الأساتذة و تمكنهم من تخصصاتهم مما يؤدي إلى التقصير في إعطاء المعلومة للتلميذ ، و تأهيله لإجراء الامتحانات المصيرية و خوف الكثير من لأساتذة الحراس من الاعتداء عليهم خارج أو داخل الحرم المدرسي

11)- انتقال التلميذ من طور إلى طور دون استفاء المعلومات التي يفترض أن يهضمها في الطور السابق و هكذا يتراكم هذا الفراغ العلمي إلى المرحلة النهائية حيث يجد التلميذ نفسه أمام مشكلة عدم اكتساب الآليات المؤهلة لإجراء الامتحانات .

ثالثا –  نتائج الغش في المدارس التعليمية

1- ينتج عن هذه العملية المرضية  و الجريمة الأخلاقية تخرج إطارات  في مختلف التخصصات دون مؤهل علمي كاف أي : عدم الكفاءة المهنية

2- إيهام الإطارات المتخرجة المجتمع أنهم حملة شهادات  علمية و هذا عين التدليس

3- عدم إتقان الإطارات المتخرجة لمهامها المهنية المنوطة بها

4- تقهقر عجلة التنمية في جميع المجالات

5- استعمال هؤلاء الغش في سائر حياتهم العملية

6- لعنة الغش المستمرة على الغاش خلال مسيرته التكوينية و المهنية مما يؤثر سلبا على نفسيته و يشعره بالإحباط

7- تعسر الطالب خلال مشواره الجامعي

الخاتمة :

 

 من خلال هذه الجولة في هذا الموضوع يمكن أن نستشف ما يلي

أ – الغاش في الامتحانات مقترف لجريمة خطيرة ، كما أن الغش خلق ذميم ليس من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم و لا من سنته << فمن غشنا فليس منا >>  الحديث

ب – الأساتذة و المعلمون المساعدون على الغش مشاركون فيه و سيشاركونهم إثمهم ، وهـــــــــم يتعاونـــون  على الإثـــــم و العدون و الله يقول : << و لا تعاونوا على الإثم و العدوان >>  

ج – الأساتذة و المعلمون  المساعدون على الغش يشهدون شهادة الزور أثناء تسليمهم لإجابات التلاميذ و مصادقتهم على محضر التسليم  و  بالضبط عند قولهم :  <<  جرى الامتحان بشكل عادي >> و النبي صلى الله عليه و سلم يحذر من شهادة الزور حيث يقول : << لن تزول قدما  شاهد الزور يوم القيامة حتى يوجب الله له النار >> و يقول أيضا << ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله و عقوق الوالدين ألا و قــول الزور ألا و شهادة  الزور >> فـمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت و ربنا العلي المتعال يقول : << و اجتنبوا قول الزور >>  و نحن نملك هذه النصوص القرآنية الربانية و الأحاديث النبوية ليس لنا عذر و لا حجة إلا أن نسلم لله و رسوله صلى الله عليه وسلم 

مقترحات:

 أقترح في الأخير أدوية لهذه العلة فأقول :

1-   نبغي على أئمة المساجد في مساجدهم و مدارسهم القرآنية و الأساتذة و المعلمون في مدارسهم النظامية و الآباء و الأمهات في منازلهم  أن يشحذوا همم التلاميذ و يغرسوا فيهم الشعور بالمسؤولية و حب العلم و أهله ، كما يجب عليهم أن يغرسوا فيهم قيم الدين و تعاليمه السمحة و خاصة فيما يخص آداب المتعلم و طاعة المعلم و الحرص على نيل العلم

2-   يجب أن يطلب العلم لله و إنما الوظيفة و المال تحصيل حاصل

3-   اهتمام الأساتذة بتوعية التلاميذ عن طريق القدوة فلا ينبغي أن يكون الأستاذ غشاشا  و لا كذابا و لا سارقا و لا .............من الآداب المذمومة ليحث تلاميذه على الصدق و عدم الغش و الاحتيال ...

4-   يجب على الدولة توظيف أساتذة أكفاء في تخصصاتهم

5-   تكريم التلاميذ النجباء لعل هذا يكون سببا في استيقاظ همم التلاميذ الأقل اكتسابا

6-   المراجعة الجماعية خارج المدارس فهي سبب في تفتق الأذهان و تبادل المعارف

7-   و ضع الأشياء في نصابها و تسميتها بمسمياتها فالبيع بيع و الربا ربا و الغش غش

8-   يجب على المجتمع إنكار المنكر حسب التدرج و القدرة بشروطه  قال رسول الله صلى الله  عليه و سلم : << من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف  الإيمان  >> و لا شك أن الغش و المساهمة فيه منكر من المناكر.

9-   حماية الأساتذة الحراس من الاعتداءات خارج و داخل الحرم المدرسي و إنزال أقصى العقوبات على من تسول له نفسه عمل هذا الصنيع

توثيق :

سألت عن سؤال مضمونه ما حكم المال الذي يجنيه عامل تحصل عـن وظيفته بسبب شهادات تحصل عليها عن طريق الغش و الاحتيال ؟

فأجاب الشيخ عبد الرحمن باعموري بما يلي : إن أتقن عمله سلم

و أجاب شيخنا الدكتور عبد الحليم قابة ما مضمونه : إن المسألة يصعب معالجتـــــــــها و يجب عليه أن يتقن عمله و يؤدي و ظيفته كما ينبغي و يتوب إلى الله و يتصدق ببعض المال الذي يجنيه

و أجاب الشيخ ناصر أحمد مفتش الشؤون الدينية بعين صالح : مادام العمل مشروعا فالكسب منه حلالا طيبا إن أداه كما يجب و أما الطريق التي توصل بها إلى ذلك العمل غير مشروع و تلزم منه توبة و ذلك الا يستعمل تلك الشهادة فيما تبقى من عمره و إن استطاع أن يتحصل عليها مرة أخرى بالطريق المشروع فحسن         

قلت و أنى للغاش و المحتال أن يتقن عمله و إن كان ذلك ممكنا و التوبة لازمة على الغاش و من ساعده ويسر له سبل الغش و الله يتوب على من تاب هذا و إن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

 

 

 إن الغـــــــــش ظاهرة اجتماعية خطيرة تطال قطاعات واسعة و من بينها قطاع التربية و التعليم  و لا ريب أن لهذه الـظاهرة أسبابها و يترتب عليها نتائج فما هي تلك الأسباب و ما هي  النتائج التي تنتج عنها ، و لمعالجة هذا الموضوع نقسمه إلى ثلاثة فصول فصل نعرف فيه الغش و أطراف الموضوع  ثم نبين مدى التناقض بين التربية و الغش ، و أما الفصل الثاني فنحاول أن نشخص فيه أسباب الغش و الفصل الثالث نستنتج فيه نتائج الغــــــش و نختم الموضوع بمقترحات لعلها تكون دواء لهذه العلة و بالله أستعين و أرجوا منه التوفيق و الإخلاص و السداد فهو ولي ذلك و القادر عليه

أولا / الغش في المدارس التربوية تعريف و بيان

 تعريف الغش : غش فلانا خدعه،  أظهر له خلاف ما أضمره  و زين له غير المصلحة ، غش في اللبن مذقه ، غش في اللعب :خالف قواعد اللعب ليربح

الغش : الخداع

و في القانون : الخداع المقرون بسوء النية ، و الغاش الذي يغش الناس ( مجاني الطالب ص695) و قال في النهاية في غريب الأثر غشش << من غشنا فليس منا >> الغش ضد النصح من الغشش و هو المشرب الكدر و قوله ليس منا أي ليس من أخلاقنا  و لا على سنتنا ( النهاية في غريب الأثر 3/369)

قلت : و من خالف قواعد الامتحان و الاختبار لينجح فقد غش

تعريف المدارس : جمع مدرسة و هو المكان المخصص للتدريس و طلب العلم

تعريف التربية : تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية انطلاقا من معطيات طبيعية و تكيفا له مع بيئة و مجتمع معينين << تلقى تربية حسنة >>، وهي علم و فن يعنيان بعملية التربيــة في معناها السابـــق و بأصول التعليم << أساليب في التربية  >> ( مجاني الطالب  مادة ربى)

ا) – بيان التناقض بين الغش و التربية

إذا كان المقصود من التربية تنمية قوى الإنسان العقلية و البدنية و الروحية خلال أطوار التعليم ، و أن الامتحانات و الاختبارات و التقييمات الفصلية و السنوية تهدف إلى التعرف  على التلميذ أو الطالب الناجح من غيره في العملية التربوية من جانبها العقلي و الروحي و حتى البدني و لاكتشاف مدى تحصيل  التلميذ خلال أطواره التعليمة و التربوية أن تكون الوسيلة سليمة من كل العيوب  و هذه الوسيلة هي الامتحانات و الاختبارات .

إجراء  هذه الامتحانات في ظروف عادية و بشكل سليم و خلوها من العيوب سيتمخض عنها معرفة التلميذ الناجح و التلميذ الراسب و بتعبير آخر معرفة التلميذ المكتسب من غير المكتسب و بالتالي إعطاء كل ذي حق حقه ، وإن اعترى الاختبارات عيوبا ظاهرة و باطنة أصبح هذا الميزان فاسدا ينتج عنه نتائج مغلوطة و بالتالي يؤجر و يجازى من لا يستحق الأجر ويحرم صاحب الحق من حقه و هذا ظلم و ضيم و العياذ بالله   

ثانيا : أسباب الغش في الامتحانات

أرى أن أسباب الغش في الامتحانات كثيرة و متعددة و لعل من أهمها ما يلي :

1 – غياب الوازع الديني : أعتقد أن أول سبب لهذه الظاهرة غياب الوازع الديني و يندرج تحت هذا العنصر التالي :

 ا – اهتزاز عقيدة الإيمان بالقضاء و القدر

ب -  عدم مراقبة المولى عز وجل

ج – استعجال الثمرة

د – التواكل و عدم التوكل على الله

إن غياب الوازع الديني يرجع إلى عدم غرس العقيدة السليمة في قلوب و أفئدة الأجيال علما و عمــــــــــلا فالإيمان بالقضاء و القدر أصل من أصول الإيمان الواجب اعتقادها و الإخلال  بواحد منها إخلال بعقيدة التوحيد ، إن القضاء و القدر سر الله في الكون لم يطلع عليه ملك مقرب و لا نبي  مرسل ،فكان كذلك سرا لتطمئن نفس المؤمن << ما أخطأها لم يكن ليصيبها و ما أصابها لم يكن ليخطأها >>  و لو اجتمع الإنس و الجن على أن ينفعوها بشيء ما نفعوها إلا بشيء قد كتبه الله لها و لو اجتمع  الإنس والجن على أن يضروها  بشيء  ما أضروها إلا بشيء قد كتبه الله لها ، فكان سر الله عز وجل في  كونه سرا لتكسب كل نفس أعمالها فلها ماكسبت و عليها ما اكتسبت لو تزود طلابنا بهذه المعاني و اعتقدوا هذه الحقائق و أيقنوا بها لعلموا أن نجاحهم و رسوبهم في امتحاناتهم قدر و قضاء  و لنبذوا الغش من أجل تحقيق طموحاتهم ، و المسلم الكيس الفطن هو الذي يراقب الله جل و علا في السر  و العلن في الخلوة و في غيرها يحذر أن يتعدى  حدوده  ، و يخشى غضبه ، و يرجوا رحمته ، يسأله التوفيق في ما يصلح دينه ودنيـــاه و يستعين به في قضاء حوائجه المشروعة و اضعا نصب عينيه أن الخالق عز و جل يعلم ما تكنه الصدور ، و يرى ما يجنيه أو يقترفه العبد المغرور ،  يحرص على إرضاء الرحمن و لو أغضب الإنسان  فغضبهم لا يضره و رضاهم لا ينفعه ، موقنا أن الدنيا زائلة لا محال و ماهي إلا متاع الغرور .

إذا اعتقد  تلاميذ مدارسنا هذه المعاني و راقبوا ربهم في جميع تصرفاتهم حتى في امتحاناتهم ، رفعوا أكف الضراعة له  و سألوا منه التوفيق و المدد و الصواب في الجواب ، واستعانوا به ، فهو العليم يهدي إلى العلم من يشاء  برحمته و يبتلي من يشاء كما يبتلي الجاهل بجهله يبتلي العالم بعلمه ، و يبتلي الطالب بنجاحه كما يبتليه برسوبه ، سبحانه جل و علا ، و لا ينبغي للتلميذ استعجال الثمرة ، فعليه أن يجد و يجتهد في طلب العلم ، فطلبه غاية و حصولها تحتاج إلى تضحية غالية ، و هي : بذل الكل عسى أن يحظى الطالب بالشطر أو الجل ، فتوفر الأسباب في عقيدتنا لا يلزم منها حصول النتائج بالضرورة  ،  و من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، و لاحظت في الغالب الأعم أن التلاميذ جهلوا حقيقة التوكل على الله عز وجل و الذي يلزم منها توفير أسباب النجاح  عسى أن يتحقق المراد ، فتوكلوا على غيرهم و من توكل على الخلق تركه الله للخلق ، و المخلوق ضعيف بطبعه لا يستطيع أن يقدم ما أخره الله و لا أن يؤخر ما يقدمه الله إلا أن يشاء العليم الخبير

2 ) – عدم الإحساس بالمسؤولية إن التلميذ مسؤول عن أداء واجباته المدرسية و هذا ما يهمنا هنا و تتلخص تلك الواجبات في أداء وظائفه و إنجازها ، في كده و اجتهاده ، و تفاعله داخل الحجرة و في حـــرم المدرسة بإيجابية و احترامه  لشيخه و أستاذه ...........و التنصل من هذه المسؤوليات معناها أن التلميذ لم يحقق أسباب نجاحه أصلا  فضلا عن تفوقه ، و حتى الأساتذة مسؤولون أمام الله أولا ثم أمام المجتمع في أداء واجباتهم و تتلخص في الغالب الأعم في ما يلي :

- بذل كل ما بوسعهم في إيصال المعلومة للتلميذ في أبسط صورها

- تقيم التلاميذ با لاعتماد على سلم عادل

- إسداء النصح للتلاميذ

- شحن نفوس التلاميذ بالمعاني الروحية السامية

- تحقيق القدوة في أسمى صورها

- التخلي بالواقعية و المنطق السليم في الامتحانات و الاختبارات

- العدل بين التلاميذ

و التنصل من هذه المسؤوليات سيحط من قدْر الأستاذ في المجتمع بل و حتى في محيطه المدرسي

3 ) – تسمية الأشياء بغير مسمياتها و فهمها على غير حقيقتها : و هذا الإشكال يطرأ غالبا على المصطلحات فقد فهم الكثير من المسلمين أن الربا فائدة كما فهم الكثير من الأساتذة و التلاميذ أن الغش و سيلة  مشروعة و المساهمة فيها تعاون و هذا إما تجاهل أو جهل مركب ، فالتعاون نوعان : محمود و مذموم فالتعاون  على البر و التقوى محمود مرغب فيه كمساعدة التلميذ  على تخطي الصعاب و العوائق التي تصادفه خلال عملية التّعلم ، و مذموم كمساعدة التلميذ على الغش و سرقة المعلومة خلال  الامتحان ، و التعاون بين هذا و ذاك بينهما بون شاسع ، و فرق واضح ، لا يخفى على أصحاب العقول الصحيحة ، و الفطر السليمة

4 ) – ضعف همم التلاميذ

إن هذا المرض الخطير تفشى في أوساط التلاميذ فترتْ عزائمهم و ضعفت هممهم فتراهم إذا قاموا إلى الدراسة قاموا كسالى ، فانصب جل اهتمامهم حول تصليح الهنـــدام و تنميقه ، و مشط الشعر و تسريحه ، و تعطير الثوب و تلميع الحذاء و انساقوا يطلبون كل موضة هادفة ، و اســــــــتسلموا للراحة و الكسل و كل هذا لا ينبغي لطالب المعالي و قاصد المعارف و العلوم   فصاحبوا المقاهي و النوادي و تركوا المكاتب  والمكتبات  وراء ظهورهم فيا ليت شعري كيف يتعلم هؤلاء و كيف يخوضون غمار الامتحانات و الاختبارات  ..؟

5 ) – اعتقاد التلاميذ أن الغش حق و مطلب شرعي فانصب اهتمامهم لطلبه و تفننوا في استعمال كل و سيلة تطال أيديهم

6) – اعتقاد قاعدة الغاية تبرر الوسيلة

و هي قاعدة فلسفية خاطئة استعملها الشيوعيون و النازيون و الرأسماليون و الملحدون و الماديون في تحقيق مآربهم وطموحاتهم و أهدافهم الدنيوية ، و عندما اعتقد الكثير من التلاميذ أن كل الوسائل بغض النظر عن شرعيتها مباحة لتحقيق النجاح في الاختبار فتبنوا فكرة أعدائهم و ماثلوهم فيها و العياذ بالله

7 ) – تفشي الظاهرة في أكثر المدارس و في كل أرجاء الوطن و اعتقاد أن تفشي الظاهر مبرر يشرع عملية الغش

8 ) – انتشار و سائل الاتصال و سهولة الحصول عليها و بالتالي استعمالها في عملية الغش

9) -  عدم كفاءة المتر شح و شعوره بعدم القدرة على إجراء الامتحان دون الالتجاء للغش

10) – عدم كفاءة بعض الأساتذة و تمكنهم من تخصصاتهم مما يؤدي إلى التقصير في إعطاء المعلومة للتلميذ ، و تأهيله لإجراء الامتحانات المصيرية و خوف الكثير من لأساتذة الحراس من الاعتداء عليهم خارج أو داخل الحرم المدرسي

11)- انتقال التلميذ من طور إلى طور دون استفاء المعلومات التي يفترض أن يهضمها في الطور السابق و هكذا يتراكم هذا الفراغ العلمي إلى المرحلة النهائية حيث يجد التلميذ نفسه أمام مشكلة عدم اكتساب الآليات المؤهلة لإجراء الامتحانات .

ثالثا –  نتائج الغش في المدارس التعليمية

1- ينتج عن هذه العملية المرضية  و الجريمة الأخلاقية تخرج إطارات  في مختلف التخصصات دون مؤهل علمي كاف أي : عدم الكفاءة المهنية

2- إيهام الإطارات المتخرجة المجتمع أنهم حملة شهادات  علمية و هذا عين التدليس

3- عدم إتقان الإطارات المتخرجة لمهامها المهنية المنوطة بها

4- تقهقر عجلة التنمية في جميع المجالات

5- استعمال هؤلاء الغش في سائر حياتهم العملية

6- لعنة الغش المستمرة على الغاش خلال مسيرته التكوينية و المهنية مما يؤثر سلبا على نفسيته و يشعره بالإحباط

7- تعسر الطالب خلال مشواره الجامعي

الخاتمة :

 

 من خلال هذه الجولة في هذا الموضوع يمكن أن نستشف ما يلي

أ – الغاش في الامتحانات مقترف لجريمة خطيرة ، كما أن الغش خلق ذميم ليس من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم و لا من سنته << فمن غشنا فليس منا >>  الحديث

ب – الأساتذة و المعلمون المساعدون على الغش مشاركون فيه و سيشاركونهم إثمهم ، وهـــــــــم يتعاونـــون  على الإثـــــم و العدون و الله يقول : << و لا تعاونوا على الإثم و العدوان >>  

ج – الأساتذة و المعلمون  المساعدون على الغش يشهدون شهادة الزور أثناء تسليمهم لإجابات التلاميذ و مصادقتهم على محضر التسليم  و  بالضبط عند قولهم :  <<  جرى الامتحان بشكل عادي >> و النبي صلى الله عليه و سلم يحذر من شهادة الزور حيث يقول : << لن تزول قدما  شاهد الزور يوم القيامة حتى يوجب الله له النار >> و يقول أيضا << ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله و عقوق الوالدين ألا و قــول الزور ألا و شهادة  الزور >> فـمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت و ربنا العلي المتعال يقول : << و اجتنبوا قول الزور >>  و نحن نملك هذه النصوص القرآنية الربانية و الأحاديث النبوية ليس لنا عذر و لا حجة إلا أن نسلم لله و رسوله صلى الله عليه وسلم 

مقترحات:

 أقترح في الأخير أدوية لهذه العلة فأقول :

1-   نبغي على أئمة المساجد في مساجدهم و مدارسهم القرآنية و الأساتذة و المعلمون في مدارسهم النظامية و الآباء و الأمهات في منازلهم  أن يشحذوا همم التلاميذ و يغرسوا فيهم الشعور بالمسؤولية و حب العلم و أهله ، كما يجب عليهم أن يغرسوا فيهم قيم الدين و تعاليمه السمحة و خاصة فيما يخص آداب المتعلم و طاعة المعلم و الحرص على نيل العلم

2-   يجب أن يطلب العلم لله و إنما الوظيفة و المال تحصيل حاصل

3-   اهتمام الأساتذة بتوعية التلاميذ عن طريق القدوة فلا ينبغي أن يكون الأستاذ غشاشا  و لا كذابا و لا سارقا و لا .............من الآداب المذمومة ليحث تلاميذه على الصدق و عدم الغش و الاحتيال ...

4-   يجب على الدولة توظيف أساتذة أكفاء في تخصصاتهم

5-   تكريم التلاميذ النجباء لعل هذا يكون سببا في استيقاظ همم التلاميذ الأقل اكتسابا

6-   المراجعة الجماعية خارج المدارس فهي سبب في تفتق الأذهان و تبادل المعارف

7-   و ضع الأشياء في نصابها و تسميتها بمسمياتها فالبيع بيع و الربا ربا و الغش غش

8-   يجب على المجتمع إنكار المنكر حسب التدرج و القدرة بشروطه  قال رسول الله صلى الله  عليه و سلم : << من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف  الإيمان  >> و لا شك أن الغش و المساهمة فيه منكر من المناكر.

9-   حماية الأساتذة الحراس من الاعتداءات خارج و داخل الحرم المدرسي و إنزال أقصى العقوبات على من تسول له نفسه عمل هذا الصنيع

توثيق :

سألت عن سؤال مضمونه ما حكم المال الذي يجنيه عامل تحصل عـن وظيفته بسبب شهادات تحصل عليها عن طريق الغش و الاحتيال ؟

فأجاب الشيخ عبد الرحمن باعموري بما يلي : إن أتقن عمله سلم

و أجاب شيخنا الدكتور عبد الحليم قابة ما مضمونه : إن المسألة يصعب معالجتـــــــــها و يجب عليه أن يتقن عمله و يؤدي و ظيفته كما ينبغي و يتوب إلى الله و يتصدق ببعض المال الذي يجنيه

و أجاب الشيخ ناصر أحمد مفتش الشؤون الدينية بعين صالح : مادام العمل مشروعا فالكسب منه حلالا طيبا إن أداه كما يجب و أما الطريق التي توصل بها إلى ذلك العمل غير مشروع و تلزم منه توبة و ذلك الا يستعمل تلك الشهادة فيما تبقى من عمره و إن استطاع أن يتحصل عليها مرة أخرى بالطريق المشروع فحسن         

قلت و أنى للغاش و المحتال أن يتقن عمله و إن كان ذلك ممكنا و التوبة لازمة على الغاش و من ساعده ويسر له سبل الغش و الله يتوب على من تاب هذا و إن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات

موضوع شيق لكن في عصرنا صار الغش عادة عند الكبير و الصغير وصار مقرونا بالنجاح بين قوسين لانه كل ما بنيء على باطل فهو باطل اللهم نسال الهداية للجميع